عدن.. الذكرى الحادية عشرة للتحرير انتصار عسكري يبحث عن وطن
في الأيام المباركة من شهر رمضان، وتحديداً في مثل هذه الفترة من عام 2015، لم تكن عدن مجرد مدينة تقاتل للدفاع عن نفسها، بل كانت ساحة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث. هناك، في أحياء كريتر والمعلا وخور مكسر والبريقة ودار سعد، سطر أبناء المدينة ومعهم رجال المقاومة الشعبية ملحمة استثنائية، وقفوا فيها بإمكانات محدودة وإرادة لا تُقهر أمام آلة حرب ثقيلة اجتاحت مؤسسات الدولة وحاولت فرض واقع جديد بالقوة.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة وجود وهوية وكرامة.
شباب حملوا السلاح دفاعاً عن مدينتهم قبل أن تتشكل الجيوش المنظمة، ومقاتلون خاضوا حرب شوارع قاسية في ظل حصار خانق وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.
ومع انطلاق عملية “السهم الذهبي” بدعم من التحالف العربي، تحققت نقطة التحول الكبرى، حيث تمكنت القوات المشتركة والمقاومة الجنوبية من تحرير مطار عدن الدولي، وميناء عدن، والمعسكرات والمنشآت الحيوية، ليُعلن في 17 يوليو 2015 تحرير المدينة بالكامل.
شكل تحرير عدن حينها منعطفاً استراتيجياً في مسار الحرب اليمنية، إذ أوقف تمدد الحوثيين جنوباً، وأعاد تشكيل خارطة الصراع، وجعل من المدينة عاصمة مؤقتة ومركزاً سياسياً وعسكرياً للحكومة المعترف بها دولياً. كما أعاد الأمل بإمكانية استعادة الدولة بعد أن بدا سقوطها أمراً واقعاً.
لكن، وبعد أحد عشر عاماً على ذلك الانتصار العسكري الكبير، يفرض الواقع سؤالاً مؤلماً: هل تحقق الهدف الذي قاتل من أجله أولئك الرجال؟ وهل تحولت تضحياتهم إلى مشروع دولة حقيقية؟
الواقع اليوم يكشف مفارقة قاسية؛ فبينما بقيت ذكرى التحرير حاضرة في وجدان الناس، غاب كثير من صناعها عن المشهد العام. قيادات ميدانية ورجال مقاومة كانوا في طليعة المواجهة وجدوا أنفسهم خارج معادلة السلطة والنفوذ، وبعضهم تعرض للتهميش أو الإقصاء، بل إن مصائر عدد منهم انتهت خلف القضبان أو في عزلة قسرية، بينما صعدت إلى الواجهة شخصيات لم تعش تفاصيل المعركة ولم تدفع كلفتها الإنسانية.
تحولت عدن، التي توحد أبناؤها في لحظة الخطر، إلى مساحة تنافس سياسي ومناطقي حاد، وتراجعت روح الشراكة الوطنية التي صنعت النصر. وبدلاً من البناء على وحدة الهدف التي جمعت الجميع في 2015، برزت مشاريع متباينة وصراعات نفوذ أنهكت المدينة وأعاقت عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة.
إن أهم درس قدمته معركة تحرير عدن لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً. فقد أثبتت التجربة أن القوى المحلية، مهما اختلفت توجهاتها، قادرة على صناعة تحول تاريخي عندما تتوحد خلف هدف واضح وقيادة ميدانية مشتركة. كان الانتصار ممكناً لأن المعركة كانت معركة الناس قبل أن تكون معركة الأطراف السياسية.
غير أن الانتصار العسكري، مهما كان عظيماً، لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب تُحسم في الميدان، لكن الأوطان تُبنى في السياسة والمؤسسات والعدالة. وما لم يتحول النصر العسكري إلى مشروع دولة قائم على القانون والمواطنة المتساوية، فإنه يبقى نصراً مؤجلاً يبحث عن معنى.
عدن اليوم لا تحتاج إلى استعادة ذكرى التحرير بقدر ما تحتاج إلى استعادة روحه؛ روح التكاتف التي تجاوزت الانتماءات الضيقة، وروح التضحية التي وضعت مصلحة المدينة فوق كل اعتبار. فالمدينة التي كانت بوابة النصر يمكن أن تكون أيضاً بوابة السلام وإعادة بناء الدولة إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة.
لقد حرر المقاتلون الأرض في 2015، لكن معركة بناء الدولة لا تزال مفتوحة حتى اليوم. وبين النصر الذي تحقق والوطن الذي لم يكتمل، تقف عدن شاهدة على حقيقة مؤلمة: أن أصعب مراحل الحروب ليست لحظة التحرير، بل ما بعدها.
وفي الذكرى الحادية عشرة، يبقى السؤال معلقاً في ذاكرة المدينة: كيف نحفظ دماء الشهداء من الضياع؟ وكيف نحول انتصار السلاح إلى انتصار دولة؟
فعدن التي انتصرت ذات رمضان، لا تستحق أن تبقى مدينة محررة بلا مشروع وطني جامع، بل عاصمة للحياة، والعدالة، والدولة التي حلم بها أبناؤها وهم يقاتلون دفاعاً عنها.

