حضرموت.. من جنيف إلى الرياض

في مؤتمر جنيف سبتمبر 1967 كانت حضرموت وأخواتها من سلطنات المحمية الشرقية على موعد مع انسحاب بريطانية من مستعمرة عدن وانهاء معاهدات الحماية الإنجليزية للسلطنات الأربع في الشرق.

وبينما كان السلطان القعيطي غالب الثاني ومعه السلطان المهري والكثيري يفاوضان بريطانيا على ترتيبات الاستقلال الموعود 9 يناير 1968 وفقا لوعد بريطاني معلن لشعب المحمية الشرقية. 

كان اتحاد الجنوب العربي- الذي انشأته بريطانيا قبل بضع سنوات لخلافتها في المحمية الغربية - يترنح تحت ضربات الثورة اليمنية 14 أكتوبر في عدن وأراضي المحمية الغربية من حولها. 

غير أن خلاف جبهتي التحرير والقومية حول التمثيل الحصري لشعب جنوب اليمن - فالجبهتان لا تعترفان بمسمى الجنوب العربي- وتلاشي سلطة القانون في عدن بعد حل حكومة مكاوي قد أربكا ترتيبات خروج بريطانيا من المستعمرة بشكل سلس وآمن وفشل ترتيبات استلام حكومة الاتحاد للاستقلال، فقررت بريطانيا إدارة ظهرها لحكومة الاتحاد العربي، وشرعت بالتفاهم مع الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل حصرا، وهكذا تم انحياز جيش الاتحاد والشرطة في عدن إلى جانب الجبهة القومية وإعلان استقلال جمهورية اليمن الجنوبية في 30 نوفمبر 1967.

في المحمية الشرقية - سلطنات حضرموت والمهرة - كان الأمر مختلفا عن سيناريو انسحاب بريطانيا من مستعمرة عدن وترك حكومة اتحاد الجنوب العربي لنهايتها المحتومة لقمة سهلة بين فكي الجبهة القومية. 

إذ ان حكام السلطنات الشرقية قد رفضوا من حيث المبدأ ومنذ تأسيس اتحاد إمارات الجنوب العربي 1959م، الانضمام الطوعي للاتحاد لأسبابهم الخاصة، والمتعلقة بتقييمهم لإمكانية استمرار الاتحاد الهش بعد مغادرة بريطانيا لعدن، ومن جانب آخر اعتزازهم بخصوصية اجتماعية وثقافية متمايزة وترتيبات إدارية حديثة تتيح لهم خيارات أخرى في تحديد مستقبلهم السياسي وتحقيق تطلعات شعب المحمية في بناء علاقات ندية ومتوازنة مع الشركاء في الأقاليم المجاورة.

وهذا الموقف المتميز لحكام السلطنات في المحمية الشرقية انعكس على علاقتهم ببريطانيا -دولة الحماية- التي لم تعد توليهم نفس الاهتمام والدعم الذي توليه للكيان الجديد - اتحاد الجنوب العربي- منذ تاسيسه، والذي صنعته على عينها لاستمرار نفوذها في المنطقة من خلاله بعد خروجها الشكلي وخروج قواتها وتصفية قواعدها العسكرية هناك.

يقول "سير ريفهون" المكلف مع رفيقه السير "جاوين بل" بكتابة دستور دولة اتحاد الجنوب العربي "لقد رفض سلطان حضرموت استقبالنا في المكلا.. كما رفض رئيس حكومته نفس الطلب. 

وبعد إلحاح شديد وافق رئيس الحكومة على استقبالنا في منزله وليس في المكتب الرسمي للحكومة.. حتى لا يضفي على زيارتنا صفة الرسمية"، كما رفضت السلطنات المهرية والكثيرية نفس الطلب، في هذا الجو المشحون بالشك والريبة بين الطرفين جرت المفاوضات الشكلية مع بريطانيا في جنيف سبتمبر 1967، بينما كانت الترتيبات على الأرض قد قطعت شوطا كبيرا في سحب البساط من تحت أقدام المفاوضين بجنيف - سلاطين المحمية الشرقية - لمصلحة ثوار الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل وخلاياهم السرية وسط وحدات قوات الدولة القعيطية بالمكلا وبشكل خاص قيادة وضباط جيش البادية الحضرمي الذي تشرف على تدريبه وتسليحه وترقيات ضباطه وماليته الحكومة البريطانية بشكل مباشر. وقبل شهرين -17سبتمبر- من قيام دولة الجنوب اليمني في الثلاثين من نوفمبر 1967. لم يُسمح للوفد العائد من جنيف بالنزول في ميناء المكلا التي أصبحت في قبضة رجال الجبهة القومية وعاد السلاطين أدراجهم إلى ميناء جده على متن الباخرة "باخشب".

صحيح أن توحيد كيانات جنوب وشرق اليمن - 23 سلطنة ومشيخة- في دولة وطنية واحدة قد عُد إنجازاً كبيراً على مستوى الحركة الوطنية اليمنية في عدن كما مثل دعماً لحكومة ثورة 26 سبتمبر في صنعاء التي لاشك أنها كانت تقف خلف هذا الإنجاز بمساعدة القوات المصرية في اليمن، لكن الحكومة الوطنية التي قامت في عدن بعد الإستقلال- بكل النجاحات والإخفاقات- لم تستثمر التنوع الثقافي والاجتماعي لشعب المحمية الشرقية في بناء شراكة حقيقية مع هذه الأنحاء الواسعة التي كانت لوقت قريب كيانات منفصلة إداريا وتحلق في فضاء أوسع من الحركة عبر الحدود البرية الطويلة مع المملكة والخليج وحتى في الفضاءات البعيدة عبر البحر والمحيط الهندي، وقد تشكلت لديها هوية وطابع خاص عبر علاقات تجارية وصلات اجتماعية وثقافية عميقة. 

وفاقم الامر حد التناقض اعتناق النظام السياسي في عدن برنامج عمل سياسي معادي للجيران في المنطقة، وتصور اجتماعي واقتصادي يعيد هندسة المجتمع والعلاقات الاقتصادية ومشاريع التنمية وفق فلسفة الاشتراكية العلمية التي ضاعفت من انتكاسات الحضارم بشكل خاص كرجال تجارة واقتصاد ناجحين ومجتمع محافظ بفكر المدرسة الحضرمية المتميزة في الفقه والاجتهاد المعاصر.

إن الحديث عن تمايز ثقافي وتنوع في إطار جامع من قيم الأمة ومذاهبها المعاصرة، لا ينافي صدق الانتماء للوطن والأمة أو حتى ينتقص من ثقافات الآخرين وهوياتهم التي تخلقت معهم في بيئات مختلفة وظروف سياسية واجتماعية لها سياقها التاريخي والمعرفي.

وهكذا كان الحضارم يقيّمون دورهم الحضاري كما يشاركهم من حولهم نفس الشئ من حيث الاعتراف لهم بهذه الخصوصية الثقافية والسياسية حتى، لا يعني هذا أن المجتمع الحضرمي أو حتى مع جواره في الإقليم الشرقي من اليمن خليا من تنوع في داخله وبيئات مختلفة على امتداد مساحة تظاهي ثلثي مساحة اليمن اليوم، لكن يبقى لهذه الجهة سمات مشتركة، تلتقي حول أنهم حضارم أو مهره.. وغيرهم يمن. بل إن للمهرة والسقطريين لغاتهم الخاصة وثقافتهم المتميزة داخل الإقليم.

 حتى الحضارم عرفوا أنفسهم في مهاجرهم الواسعة ب (لغتهم الخاصة). وهي اللهجة الحضرمية التي نقلوا بها الدعوة من جزيرة العرب إلى شرق جنوب آسيا وشرق أفريقيا. ووسم أستاذ اللسانيات بجامعة حيدرأباد "سيف بن حسين القعيطي" مؤلفاته بـ"فقه اللغة الحضرمية - خصائص اللغة الحضرمية" وعكف على كتابة "معجم اللغة الحضرمية" في اثني عشر مجلداً، وهو نجل أمير حضرمي حكم الشحر بداية القرن العشرين، والشيء بالشيء يذكر، فإن "دكان الشحاري" من ابتكارات الحضارم في تجارة التجزئة.

حيث أصبح دكان الشحاري في سواحل أفريقيا بذرة متاجر البقالة في عصرنا الحاضر. وكان التبادل التجاري يقوم على المقايضة قبل انتشار النقود الورقية، وحساب كميات الطعام والأغذية بالكوم قبل استخدام الموازين التي دخلت التجارة مع انتشار "دكان الشحاري". وحتى سقوط السلطنات الشرقية وتوحيدها مع إمارات الجنوب اليمني، كانت هذه الثقافة والحضارة والتاريخ الخاص مقررات دراسية بمدارس السلطنات الشرقية التي كانت قد حظيت بقسط كبير من التطوير والتحديث.

إن الإستقلال الناجز كان في طريقه إلى شعب هذه السلطنات، بانتقال سلس من الحماية البريطانية إلى الحكومة الوطنية، في سياق من بناء المؤسسات وترتيبات إدارية واقتصادية معقولة، كما شهدته مشيخات "ساحل عمان المتصالحة" مطلع السبعينات و إمارات الخليج الأخرى، إلا أن عنفوان المد الثوري وحماس الحركة الوطنية في اليمن وعدن بشكل خاص قد شكل عامل تسريع لتحقيق الاستقلال على الصورة التي تمت من عملية الدمج والتوحيد في دولة مركزية ونظام شمولي، غفل كل هذه الحيثيات التي ذكرنا من التنوع الثقافي والخصوصيات الاجتماعية والثراء الحضاري وحتى التنوع البيئي والتاريخ السياسي.

إن تبني المجلس الإنتقالي الجنوبي الدعوة لعودة حكومة "الجنوب العربي" في عدن، وبدعم إقليمي ظاهر من أبوظبي، يحفز ذاكرة الحضارم وشعب المحمية الشرقية بموقفهم السابق من هذا السيناريو وأهدافه الاستعمارية في جنوب الجزيرة العربية، فكان الموقف السياسي واضحاً وصارخاً على لسان محافظ حضرموت وممثلها في مجلس القيادة اليمني "لم نكن جزءً من الجنوب العربي ولن نكون"، ومع هذا الوضوح في الموقف السياسي من فرض مشروع الجنوب العربي في حضرموت والمهرة، استمر الاندفاع الجنوبي لفرضه ب"القوة" وبدعم واضح من أبوظبي، التي تدخلت بشكل مباشر من خلال مندوبها أبو علي الحضرمي وتشكيل مليشيات "الدعم الأمني"، وكانت حضرموت أمام مشهد مشابه لإغلاق ميناء المكلا في وجه السلاطين عام 67، عندما أغلق أبو علي الحضرمي مطار سيئون أمام طائرة المحافظ سالم الخنبشي، لكن الخنبشي لم يستسلم وظل متشبثا بآخر شبر من حضرموت في صحراء العبر، ليعود من هناك لتحريرها بدعم الأشقاء من قيادة التحالف العربي لعودة الشرعية في اليمن.

إن حضرموت والمهرة وشبوه وسقطرى، ما كانت تسمى بسلطنات محمية شرق عدن، جرى دمجها في الدولة اليمنية الحديثة من عام 1967م عندما أعلنت الجبهة القومية استقلال جمهورية اليمن الجنوبية، فقبيل الاستقلال الوطني كانت الحركة الوطنية اليمنية في عدن قد تبنت فكرة توحيد جغرافية اليمن في دولة عصرية، وشرعت في نضال سياسي وفكري بل وعسكري ضد الإمامة في صنعاء والاستعمار في عدن، أهم عوائق التحرر والوحدة في نظرها - الحركة الوطنية اليمنية- لكن مشرق اليمن كان يحتاج لنضال فكري وسياسي مختلف في سبيل إقناع الشعب والقوى السياسية والاجتماعية وحتى السلطنات هناك بالانضمام للدولة الموعودة بعد التخلص من الامامة والتحرر من الاستعمار، ويتمحور هذا النضال في مسارين اثنين: الاعتراف بالتنوع واحترام هوية هذه الكيانات في إطار الهوية السياسية الجامعة التي تمثلها الدولة اليمنية الحديثة، وثانياً تقديم حوافز وامتيازات تجعل من الاتحاد جاذباً من خلال الشراكة والندية، وليس الإقصاء والتبعية. 

يقول اللواء خالد باراس القيادي في الجبهة لقومية بحضرموت "لقد كنا نواجه معضلة في إقناع الحضارم أنهم يمنيون.. وأن حضرموت جزء من اليمن، وحتى اعتبار حضرموت جزءً من جنوب اليمن ليست مسألة محسومة.. وقد رفضت السلطنات الانضمام للجنوب العربي.

بينما كان أعضاء تنظيمنا - حركة القوميين العرب- لا يؤمنون بوحدة جنوب اليمن وشماله فحسب، بل بوحدة الدول العربية قاطبة من المحيط للخليج". وفي مسار جعل الاتحاد جاذباً يقول المفكر العربي عزيز الثعالبي "إن سلاطين حضرموت لا يمانعون في وحدة فيدرالية مع اليمن، لكن مع احتفاظهم بخصوصيتهم وعدم التدخل في شئونهم الداخلية".

لقد فشلت محطات التوحيد السابقة 1967 - 1990م في بناء دولة يمنية حديثة وتحقيق الاستقراروالرفاه المنشود لشعب حضرموت والمحمية الشرقية، بل لليمن عموما، ومع تفاعل أبناء المحافظات الشرقية -المحمية الشرقية سابقاً- مع كل مساعي بناء الدولة اليمنية الحديثة من خلال تصحيح أخطاء التجارب الوحدوية السابقة، قدموا لليمنيين مشروع الدولة الاتحادية كصيغة عصرية لاستمرارهم في الاتحاد، صيغة تستوعب دروس الماضي وتحقق تطلعات كل اليمنيين، المؤمنين بالاهداف الكبرى للثورة اليمنية في بناء نظام حكم جمهوري عادل، يحقق المساواة والشراكة لكل المواطنين.

وإلى هذه النتيجة -دولة اتحادية- خلُصت المباحثات في مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2013م برعاية الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية ودعم مجلس الأمن الدولي وحضور أمين عام الأمم المتحدة. 

وهذا هو المسار الآمن لإعادة بناء الدولة في اليمن كما يراه الحضارم وأبناء المحافظات الشرقية على الاقل، ويعبرون عنه اختصاراً بعبارة قصيرة "إما اقليم أودولة" على لسان وفي كتابات معظم قادتهم اليوم.

ومؤتمر الرياض القادم فرصة جديدة لحضرموت في تحديد مستقبلها السياسي، ومعها أخواتها في إقليم المحافظات الشرقية، وهكذا تكون قد استعادت -حضرموت وأخواتها-زمام المبادرة مرة أخرى في صنع التحولات منذ إخفاقات وفد سلاطين حضرموت والمهرة في جنيف قبل نصف قرن ونيف.

مقالات الكاتب