أهمية الإقليم الشرقي
بعد الأحداث الأخيرة المؤسفة التي شهدتها المحافظات الشرقية، جراء اجتياح قوات الانتقالي لها، والتي كانت تهدف إلى فرض واقع جديد بقوة السلاح، جوبه هذا الفعل برد فعل قوي من قبل الدولة والمجتمعات المحلية والأشقاء في المملكة العربية السعودية، وتم إخراج هذه القوات وإعادتها إلى ثكناتها.
وعقب ذلك، جاءت الدعوة إلى عقد مؤتمر حوار (جنوبي-جنوبي) ليناقش فيه أبناء المحافظات الجنوبية رؤاهم وأفكارهم على طاولة الحوار.
وقد تبنى الأشقاء في المملكة العربية السعودية –مشكورين– رعاية هذا الحوار الذي سيتمخض عنه رؤية موحدة لحل القضية الجنوبية حلاً عادلاً، بحسب ما سيصل إليه المشاركون من مخرجات بمختلف توجهاتهم ورؤاهم.
إننا نرى أن انعقاد هذا المؤتمر يعتبر فرصة ثمينة لتحكيم لغة العقل والمنطق، وحل الخلافات بين الإخوة بلغة الحوار لا لغة العنف والغلبة؛ لذا فقد رحبنا بدعوة انعقاد المؤتمر في حينها، وندعو جميع المكونات والشخصيات الجنوبية للمشاركة الفاعلة فيه.
حقيقةً، يمثل مشروع "الإقليم الشرقي" –الذي سيضم محافظات: المهرة، وحضرموت، وشبوة، وسقطرى– أحد المسارات الوطنية التي تنسجم مع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، الذي أقر شكل الدولة الاتحادية المكونة من ستة أقاليم، كصيغة تضمن عدالة توزيع السلطة والثروة، وتكفل مشاركة أوسع للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها.
ويأتي هذا التوجه، الذي يتبناه عدد كبير من أبناء هذه المحافظات، في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى إطار سياسي وإداري أقرب لواقعها الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي، بعيداً عن نمط الإدارة المركزية التي أثبتت عبر السنوات محدودية قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المناطق البعيدة عن مركز القرار.
فهذه المحافظات، رغم تباعدها الجغرافي، تجمعها روابط تاريخية واجتماعية وتجارية راسخة، وتشابه في التحديات التنموية والأمنية؛ مما يجعل التعاون فيما بينها ليس خياراً طارئاً بل امتداداً طبيعياً لمسار طويل من التفاعل المشترك.
ولا شك أن الإقليم الذي نرجوه سيضمن بقاء الخصوصيات المحلية لكل محافظة محفوظة ضمن إطار اتحادي يكفل لها إدارة شؤونها الذاتية وصون هويتها ومصالحها، فلا قلق على خصوصية محافظة المهرة وهويتها الثقافية واللغوية، بل سيكون هناك من القوانين والأنظمة ما يضمن هذا الأمر وينميه؛ كون وجود الإقليم هو الضامن لكل أبناء هذه المحافظات في الحصول على حقوقهم وإنصافهم، وتحقيق ما يصبون إليه من تنمية وازدهار.
كما لا يخفى على أحد ما تمتلكه هذه المناطق من موارد واعدة في مجالات النفط والغاز، والثروة السمكية، والموانئ، والمواقع السياحية؛ مما يمنحها قدرة حقيقية على بناء اقتصاد إقليمي متكامل إذا ما أُدير ضمن منظومة مؤسسية قريبة من الناس، وقادرة على توجيه هذه الموارد نحو تحسين الخدمات والبنية التحتية وخلق فرص العمل، بدلاً من أن تظل هذه الثروات بمعزل عن حياة المواطنين اليومية.
وفي هذا السياق، يتيح الإطار الإقليمي مساحة أوسع للمشاركة السياسية وصنع القرار المحلي، بحيث تصبح الأولويات التنموية والأمنية نابعة من احتياجات المجتمع نفسه لا مفروضة من خارجه؛ الأمر الذي يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ويحد من الشعور بالتهميش الذي عانت منه هذه المحافظات لفترات طويلة.
ومن منظور وطني أوسع، فإن وجود إقليم متماسك في شرق البلاد يسهم في تعزيز الاستقرار العام، ويحمي المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لليمن، خاصة في ظل ما تمثله هذه المحافظات من بوابة بحرية وتجارية مهمة، وهو ما يجعل تمكينها إدارياً واقتصادياً جزءاً من حماية الدولة نفسها.
وبهذا المعنى، فإن الإقليم الشرقي لا يُطرح كفكرة نظرية أو كيان فوقي، بل كإطار يفتح المجال أمام أبناء المهرة وحضرموت وشبوة وسقطرى ليكونوا شركاء حقيقيين في صياغة مستقبلهم، ضمن دولة اتحادية عادلة توازن بين الوحدة والتنوع، وتمنح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة مواردها، بما يضع هذه المحافظات على مسار أكثر استقراراً وازدهاراً لأجيالها الحاضرة والقادمة.
وختاماً، أقول لأبناء محافظة المهرة: علينا أن نكون واعين بمتطلبات المرحلة وما تقتضيه من تعاضد وتعاون وشراكة حقيقية مع المحافظات الشرقية الأخرى، لا سيما جيراننا وأهلنا في محافظة حضرموت، الذين نتقاسم معهم المصير ذاته، وما يسري عليهم يسري علينا وقد أثبتت الأيام الماضية ذلك.
إن كل النقاط والملاحظات تُناقش ويُتفق عليها على طاولة الحوار، ولنعلم أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وعلينا أن نصل بمحافظاتنا إلى بر الأمان، ونبتعد عن الشطط والقفز فوق الواقع، لنحتكم للعقل والمنطق، وكما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك بعضه

