الشرق الكبير بقيادة حضرموت: تصحيح المعادلة السياسية واستعادة التوازن المفقود
في خضم التحولات السياسية العاصفة التي تشهدها المنطقة، وإعادة رسم الخرائط السياسية لليمن والجنوب، يبرز صوت "الشرق" ليس كمجرد صدى جغرافي، بل ككتلة سياسية واقتصادية وازنة لا يمكن تجاوزها إن الحديث عن المحافظات الشرقية (حضرموت، المهرة، شبوة، وأرخبيل سقطرى) يتطلب اليوم قراءة مغايرة تقفز فوق الشعارات التقليدية، لتضع الحقائق الجيوسياسية والقانونية في نصابها الصحيح، مطالبة بإنصاف تاريخي وشراكة حقيقية، أو استقلال بقرار سيادي
أولاً: "الكتلة الشرقية" بلغة الأرقام والجغرافيا
عند وضع "كتلة الشرق" في الميزان، نجد أنفسنا أمام الثقل الحقيقي لما كان يُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو ما يُطلق عليه اليوم "الجنوب":
1.المساحة الجغرافية: تشكّل هذه المحافظات الأربع (حضرموت، المهرة، شبوة، سقطرى) ما يقارب 70% إلى 80% من إجمالي مساحة الجنوب هذه المساحة الشاسعة ليست مجرد رمال، بل هي العمق الاستراتيجي الحقيقي لأي دولة قادمة.
2.الثروة والموارد: يكمن "خزان الثروة" في هذه الرقعة؛ حيث تحتضن حقول النفط والغاز الرئيسية (المسيلة في حضرموت، والعقلة وجنة في شبوة)، بالإضافة إلى المخزون السمكي الهائل في المهرة وسقطرى وحضرموت، والموارد المعدنية والذهب إن الحديث عن اقتصاد الجنوب دون الشرق هو حديث عن "دولة بلا موارد"
3.الموقع الجيوسياسي: يمثل هذا الإقليم الرئة التي يتنفس منها الإقليم والعالم، بإطلالة مفتوحة على بحر العرب والمحيط الهندي، بعيداً عن مضايق الصراع الضيقة (باب المندب) إنها منطقة الوصل التجاري والاستراتيجي الآمنة لدول الخليج وللملاحة الدولية.
ثانياً: إعادة تصحيح مصطلح "الجنوب"
عانى إقليم الشرق لعقود من التهميش المزدوج: تهميش الهوية الحضرمية والمهرية والخصوصية الشبوانية تحت شعارات "القومية" و"المركزية"، وتهميش تنموي حول الأرض إلى "فيد" لناهبي الثروات من النظم السابقة (شمالاً وجنوباً) لذا، فإن إعادة تصحيح مصطلح "الجنوب" باتت ضرورة قانونية الجنوب ليس كتلة صماء، بل هو توازن دقيق بين كتلة الشرق (التي تمثل الدولة والثروة والمساحة) وكتلة الغرب(التي تمثل جزءاً من السكان والتاريخ السياسي) اختزال الشرق في كونه "تابعاً" للمركز في عدن هو تأسيس لصراع مستقبلي وليس حلاً مستداماً"
ثالثاً: المظلومية التاريخية ومعاناة النظم السابقة
عانى إقليم الشرق (حضرموت والمهرة وشبوة) من ويلات التهميش الممنهج في ظل النظم المركزية السابقة سواء ما قبل الوحدة (نظام الحزب الواحد) الذي أمم الممتلكات وطمس الهوية الحضرمية والخصوصية المهرية أو ما بعد الوحدة التي حولت هذه المناطق إلى "فيد" لنهب الثروات دون تنمية حقيقية للإنسان أو الأرض إن الذاكرة الجمعية لأبناء الشرق مليئة بصور الإقصاء السياسي، حيث كانت القرارات المصيرية تُتخذ في "عدن" أو "صنعاء" وتُفرض على الشرق بقوة السلاح أو الأمر الواقع
رابعاً: رسالة إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية
نثمّن عالياً الدور المحوري والقيادي للمملكة العربية السعودية في رعاية الحوارات السياسية، وحرصها على حرية التعبير لمكونات المحافظات الجنوبية، واستضافتها للفعاليات السياسية في الرياض ليعبّر الإخوة في "المجلس الانتقالي" وغيرهم عن رؤاهم وتطلعاتهم بكل حرية هذا الانفتاح يعكس حكمة المملكة ورغبتها في استقرار المنطقة
ولكن ومن منطلق العدالة والتوازن، نضع هذا المطلب السياسي المشروع:
إننا نطالب المملكة العربية السعودية بصفتها الراعي الأول للعملية السياسية، بالسماح ورعاية فعالية سياسية كبرى ومستقلة لـ "كتلة الشرق" (حضرموت، شبوة، المهرة، سقطرى)
يجب أن يُتاح لأبناء هذا الإقليم الاستراتيجي التعبير عن رؤيتهم لمستقبلهم دون وصاية من أحد، تماماً كما أتيح لغيرهم إن استقرار اليمن أو الجنوب لا يمكن أن يتحقق بتجاهل الكتلة الأكبر مساحة والأغنى ثروة
الختام: الرؤية المستقبلية (شرق كامل السيادة)
إن مطالب كتلة الشرق تتلخص في حق تقرير المصير وفقاً للمواثيق الدولية، وتتمحور حول خيارين لا ثالث لهما، سيفرزهما الحوار الحر:
1.إقليم شرقي كامل الصلاحيات والسيادة: ضمن شراكة ندية حقيقية تضمن إدارة الشرق لثرواته وأمنه وقراره السياسي
2.أو دولة الشرق المستقلة: ككيان جيوسياسي مستقر، يشكل صمام أمان لدول الجوار، وعمقاً استراتيجياً للمملكة والخليج، بعيداً عن صراعات النفوذ والأيديولوجيات المتطرفة
إن تغييب الشرق عن طاولة القرار، أو محاولة تمثيله بأسماء لا تحمل تفويضاً شعبياً حقيقياً من المكونات الحضرمية والمهرية والشبوانية، لن ينتج حلاً مستداماً الشرق اليوم هو بيضة القبان، وبدونه لا يستقيم الميزان.

