حضرموت ومعادلة الأمن الغائبة... لماذا لا يحمي الأرض إلا أهلها؟
عانت حضرموت، خلال الخمسين عامًا الأخيرة من تاريخها، من اختلالٍ عميق في معادلة الأمن، اختلال لم يكن طارئًا ولا عابرًا، بل نتاج مسار طويل من إضعاف دورها الدفاعي وتجريدها من أدوات حماية ذاتها. بدأ هذا المسار منذ عام 1967م، حين أُقصيت حضرموت عسكريًا، وتفاقم بشكل أشد بعد حرب 1994م، ليدفع أبناء حضرموت ثمنًا باهظًا لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
تحوّلت حضرموت، بفعل هذا الإقصاء، من منطقة قادرة على صناعة قرارها الأمني إلى مساحة هشة، لا تملك زمام أمرها، وتتأثر مباشرة بكل اضطراب سياسي أو عسكري يحدث في محيطها، خصوصًا في صنعاء وعدن، وهما منطقتان لم تعرفا الاستقرار السياسي طويلًا. وما إن تهتز إحداهما، حتى يظهر الارتداد سريعًا داخل حضرموت، رغم اختلاف السياق والتكوين والنهج.
السبب الجوهري لكل ذلك واضح، حضرموت لم تُدار أمنيًا وعسكريًا من أبنائها. فمنذ عقود، تُستجلب إليها قوات عسكرية من خارج جغرافيتها، لا تربطها بالأرض علاقة انتماء ولا إحساس بالمسؤولية، فتتحول حضرموت إلى ورقة مراهنة بيد المتصارعين، تُستخدم جغرافيتها لا لحمايتها، بل لتصفية حسابات الآخرين.
في حرب 1994م، شهد الجميع كيف تم التخلي عن حضرموت سريعًا بعد السيطرة على الأرض. مشهد ما كان ليحدث لو أن من دافع عنها هم أهلها، لا قوات أُحضرت من خارجها، بلا عمق اجتماعي ولا استعداد للتضحية. ذلك التخلي لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لإقصاء حضرموت عسكريًا منذ 1967م، وترك المشهد لفاعلين لا يرون في حضرموت سوى ساحة عبور أو غنيمة مؤقتة.
وتكرر المشهد بصورة أكثر فجاجة في عام 2015م. فقد كان في المكلا آنذاك أكثر من سبعة ألوية عسكرية، لكنها تبخرت خلال ساعات، وسُلّم ساحل حضرموت للجماعات الإرهابية في سيناريو يصعب فهمه عسكريًا، لكنه مفهوم تمامًا سياسيًا وأخلاقيًا،هذه لم تكن أرضهم، ولم يكن الدفاع عنها قضيتهم.
وما حدث لم يكن استثناءً. ففي عام 2025م، تكرّر المشهد في سيئون؛ قوات وألوية تمارس البلطجة على أبناء حضرموت، لكنها عند أول احتكاك حقيقي تتلاشى في ساعات. السبب لا يحتاج إلى شرح طويل، من لا يشعر بأن الأرض أرضه، لن يقاتل دفاعًا عنها.
لهذا، فإن الحقيقة البسيطة التي يجب الاعتراف بها هي؛ لن يحمي حضرموت إلا أهلها. هم الأعرف بتضاريسها، ومداخلها، ومخارجها، وهم الأقدر على بناء أمن مستدام لا يقوم على القمع ولا على الاستقواء بالخارج.
حضرموت ليست منطقة هامشية، بل كانت وما زالت بوابة جنوب الجزيرة العربية. وهي التي تصدت للبرتغاليين عندما كانت بيد أهلها، وهي مفتاح استقرار استراتيجي للمنطقة بأكملها. وأهلها، تاريخيًا، أهل سلام وبناء، لم يكونوا يومًا صناع أزمات ولا دعاة توتر، وحيثما حلّوا كانوا عنصر استقرار لا تفجير.
ومن المؤسف أن تُترك هذه المساحة الجغرافية الهائلة التي تزيد عن 193 ألف كيلومتر مربع، وبحدود تتجاوز 700 كيلومتر مع المملكة العربية السعودية لتكون ساحة نفوذ لقوى موتورة، تستخدم التراب الحضرمي أداة لتهديد أمن الإقليم بدل أن يكون ركيزة لاستقراره.
إن السلام في حضرموت لن يتحقق إلا حين تكون السلطة الأمنية والعسكرية بيد أهلها، أهل الأرض. سواء بقيت حضرموت ضمن كيان وحدوي، أو اختارت صيغة سياسية أخرى، فإن القاعدة الثابتة التي لا تتغير هي: من دون قوة وجيش وأمن من أبناء حضرموت، ستظل المنطقة عرضة للابتزاز، وسيبقى أهلها تحت التهديد وعدم الأمان.
تمكين حضرموت من إدارة أمنها ليس مطلبًا عاطفيًا ولا نزعة انفصالية، بل هو المدخل الحقيقي لأي حل سياسي، وأي تطبيع للحياة، وأي عزل لحضرموت عن النزاعات العبثية التي لا تنتهي في المنطقة. بدون ذلك، سنظل ندور في الحلقة ذاتها، ويدفع الحضارم الثمن مرة بعد اخرى.

